الشنقيطي
526
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الحديد قوله تعالى : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) [ 1 ] . قد قدمنا مرارا أن التسبيح هو تنزيه اللّه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله ، وأصله في اللغة الإبعاد عن السوء ، من قولهم سبح . إذا صار بعيدا ، ومنه قيل للفرس : سابح ، لأنه إذا جرى يبعد بسرعة ، ومن ذلك قول عنترة في معلقته : إذ لا أزال على رحالة سابح * نهر تعاوره الكماة مكلم وقول عباس بن مرداس السلميّ : لا يغرسون فسيل النخل حولهم * ولا تخاور في مشتاهم البقر إلا سوابح كالعقبان مقربة * في دارة حولها الأخطار والفكر وهذا الفعل الذي هو سبح قد يتعدى بنفسه بدون اللام كقوله تعالى : وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 9 ) [ الفتح : 9 ] ، وقوله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ( 26 ) [ الإنسان : 26 ] ، وقد يتعدى باللام كقوله هنا : سَبَّحَ لِلَّهِ ، وعلى هذا فسبحه وسبح له لغتان كنصحه ونصح له . وشكره وشكر له ، وذكر بعضهم في الآية وجها آخر ، وهو أن المعنى : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أي أحدث التسبيح لأجل اللّه أي ابتغاء وجهه تعالى . ذكره الزمخشريّ وأبو حيان ، وقيل : سَبَّحَ لِلَّهِ أي صلى له . وقد قدمنا أن التسبيح يطلق على الصلاة ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أهل السماوات والأرض يسبحون للّه ، أي ينزهونه عما لا يليق ، بينه اللّه جل وعلا في آيات أخر من كتابه كقوله تعالى في سورة الحشر سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) [ الحشر : 1 ] وقوله في الصف سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) [ الصف : 1 ] وقوله في الجمعة يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 1 ) [ الجمعة : 2 ] ، وقوله في التغابن يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) [ التغابن : 1 ] .